الناقد والأديب | حميد بركي
إذا كان القرآن الكريم من أصفى منابع العربية وأبلغ نصوصها، وكان قد حفظ للعربية جانبًا عظيمًا من فصاحتها وطرائق تركيبها ووجوه بيانها، فإن الشاعر العربي الذي يريد أن يكتب شعرًا فصيحًا راسخ الصلة بأصول العربية لا ينبغي أن يجعل مصادره محصورة في المعاجم الحديثة أو في اللغة الصحفية المعاصرة، فعليه أن يجعل القرآن الكريم في مقدمة ما يستأنس به ويستضيء بنظامه اللغوي والبياني، ولا يعني ذلك أن يستنسخ الشاعر كلمات القرآن وتراكيبه، أو أن يحوّل شعره إلى محاكاة مباشرة لأسلوبه؛ فالقرآن الكريم له خصائصه الأسلوبية والبيانية التي لا يشاركه فيها كلام البشر، وإنما المقصود أن يتشرب الشاعر من العربية القرآنية سلامة التركيب، ودقة الدلالة، واتساع المعجم، وقوة الإيجاز، وتنوع الأساليب، وجزالة اللفظ حين يقتضي المقام، ورقة العبارة حين يقتضيها السياق، إذ القرآن يفتح أمامه أفقًا كاملًا من طرائق التعبير، ومن الخطأ أن يبحث عن الفصاحة في الغريب لمجرد غرابته، أو أن يتوهم أن الكلمة تصبح أفصح كلما ابتعدت عن الاستعمال المألوف، فالفصاحة ليست غموضًا، والجزالة ليست تعقيدًا، والقدم ليس وحده معيار الجودة، وقد تكون الكلمة في غاية القوة مع كونه واضحًا قريب المأخذ، لأن سر البلاغة في ملاءمتها للمعنى والسياق والنظم،
فإن الشاعر حين يستنبط لغة شعره من القرآن، يستنبطها من منطق التعبير العربي الذي تجلى فيه؛ فيتعلم كيف تتآلف الألفاظ، وكيف تتدرج المعاني، وكيف يُقدَّم ويؤخر، وكيف يُحذف ويُذكر، وكيف ينتقل التعبير من الخبر إلى الإنشاء، ومن التصريح إلى الإيحاء، ومن المباشر إلى التصوير،
ثم يأتي بعد القرآن الكريم الحديث النبوي الشريف، وكلام فصحاء العرب، والشعر العربي القديم، والنثر العربي الرفيع، وهي منابع متكاملة لا ينبغي أن يُغني بعضها عن بعض.
ولذلك فإن الشاعر الذي يريد أن يؤسس لنفسه لغة شعرية عربية متينة يحتاج إلى أن يعيش مع هذه النصوص لا أن يكتفي بدراستها دراسة عابرة؛ يقرأ القرآن قراءة المتدبر في معانيه، وقراءة اللغوي في تراكيبه، وقراءة الشاعر في إيقاعه وتصويره وطاقته التعبيرية، دون أن يخلط بين خصوصية الأسلوب القرآني وبين إمكان تقليده.
إن الشاعر لا يصنع لغة شعرية قوية بمجرد حفظ آلاف الكلمات، فالصناعة حين تتكون في داخله ملكة لغوية تجعله يختار الكلمة التي تؤدي المعنى في موضعها، وبإيقاعها، وظلالها، وصلتها بما قبلها وما بعدها.
وهنا تتضح العلاقة الصحيحة بين القرآن والشعر: ليس القرآن كتابًا في صناعة الشعر، وليس الشعر مجالًا لمضاهاة القرآن، فالقرآن أحد أعظم ينابيع العربية التي يستطيع الشاعر أن يستمد منها ملكته اللغوية والبيانية، ومن أراد لشعره أن يكون عربي الروح، فليبدأ من منابع العربية الكبرى، وفي مقدمتها كتاب الله، ثم ليتدرج في كلام العرب شعرًا ونثرًا، حتى تتكون لديه قدرة على التمييز بين اللفظ الفصيح واللفظ المهجور، وبين الأسلوب العربي والأسلوب المترجم، وبين الجملة التي تستقيم في العربية والجملة التي لا تستقيم إلا بتأويل متكلف، حيث لا يحتاج إلى أن يعلن أنه يكتب بالفصحى؛ تكفي لغته لتشهد له بذلك.
وكلما اتسعت صلته بأصول العربية، قلت حاجته إلى التأنق المصطنع، وأصبح قادرًا على أن يقول المعنى العميق بألفاظ تبدو بسيطة، وأن يمنح اللفظ المألوف حياة جديدة في سياق شعري جديد، ويكون استمداد الشاعر من القرآن استمدادًا للملكة لا للعبارة، وللروح البيانية لا للمحاكاة، ولأصول الفصاحة لا للتقليد؛ فيظل الشعر شعرًا، والقرآن قرآنًا، وتبقى العربية هي الجسر الذي يصل بينهما.