تتجه علاقات التعاون بين المغرب والهند نحو آفاق جديدة في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي أهمية التقنيات الحديثة في تحديث الإدارة وتطوير الخدمات العمومية وتعزيز المهارات والكفاءات الرقمية.
وفي هذا السياق، أجرت الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، اليوم الاثنين بالرباط، مباحثات مع وزير الدولة الهندي المكلف بالتجارة والصناعة والإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات، شري جيتين براسادا، خصصت لبحث سبل تطوير التعاون بين البلدين في عدد من المجالات المرتبطة بالتقنيات الرقمية والناشئة.
ويكتسي هذا اللقاء أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا، والحاجة المتزايدة إلى بناء بنيات تحتية رقمية قادرة على تقديم خدمات عمومية أكثر نجاعة وأمانا، مع ضمان سهولة الولوج إليها وقابليتها للتشغيل البيني.
وشملت المباحثات آفاق التعاون في مجال البنيات التحتية الرقمية العمومية، إلى جانب تبادل الخبرات والتجارب والممارسات الفضلى بين المغرب والهند، بما يمكن من الاستفادة من خبرات البلدين في تطوير الإدارة الرقمية وتحسين علاقتها بالمواطن.
كما شكلت الهوية الرقمية والدفع الإلكتروني وحكامة البيانات محاور أساسية في هذا الحوار، بالنظر إلى الدور الذي أصبحت تلعبه هذه المجالات في إعادة بناء الخدمات العمومية وتبسيط المساطر الإدارية، فضلا عن تعزيز أمن المعاملات وحماية البيانات.
ولم تقتصر المباحثات على الجانب التقني، بل امتدت إلى مسألة تنمية الكفاءات والمهارات الرقمية، من خلال بحث إمكانيات إطلاق برامج للتدريب وتبادل الخبراء، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الجامعية، إلى جانب برامج الإشهاد المهني في التقنيات الرقمية الناشئة.
وفي هذا الإطار، برز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم المجالات التي يمكن أن تشكل قاعدة جديدة للتعاون بين البلدين، خاصة في ظل التطور المتسارع لنماذج الذكاء الاصطناعي واللغات الرقمية.
وأوضحت الوزيرة أمل الفلاح السغروشني أن المباحثات أفضت إلى الاتفاق على إحداث لجنة مشتركة للعمل في مجال اللغات والتقنيات الرقمية، ولا سيما نماذج اللغات الكبيرة، في ظل التجربة الهندية في هذا المجال.
وتبرز أهمية هذا التعاون بشكل خاص في مسألة تطوير نماذج لغوية قادرة على التعامل مع الخصوصيات اللغوية والثقافية للمجتمع المغربي. وفي هذا السياق، سيتم العمل على برامج مرتبطة بـ”نماذج اللغات الصغيرة”، بهدف إدماج الدارجة واللغة الأمازيغية في منصة “إدارتي”.
ويحمل هذا التوجه دلالة مهمة، إذ إن تطوير أدوات رقمية قادرة على فهم اللغات المستعملة من طرف المواطنين يمكن أن يساهم في جعل الخدمات العمومية أكثر قربا وسهولة، ويقلل من الحواجز التي قد تفرضها اللغة أمام الاستفادة من الإدارة الرقمية.
كما يرتبط هذا التوجه بالعمل الذي يضطلع به “معهد الجزري”، الذي يشتغل على العربية والأمازيغية والدارجة، بهدف تطوير حلول تكنولوجية تساعد المواطنين على التفاعل مع الإدارة بشكل أكثر سهولة.
ويأتي اللقاء المغربي الهندي في الرباط استمرارا للحوار الذي جمع الجانبين في فبراير الماضي بالعاصمة الهندية نيودلهي، على هامش مشاركة وفد من الوزارة في قمة الذكاء الاصطناعي “AI Impact Summit”، بما يعكس رغبة مشتركة في تحويل النقاشات السابقة إلى مسارات عملية للتعاون وتبادل الخبرات.
ويبدو أن الرهان المشترك لا يقتصر على استيراد التكنولوجيا أو تبادل التجارب، بل يتجه نحو بناء شراكات قادرة على إنتاج حلول رقمية تستجيب لحاجيات المجتمع، خصوصا في مجالات الإدارة والخدمات العمومية واللغات والمهارات الرقمية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن تعزيز التعاون مع الهند في هذه المجالات يمكن أن يفتح المجال أمام الاستفادة من تجربة دولة راكمت خبرة واسعة في التكنولوجيا والرقمنة، فيما يمكن للمشاريع المرتبطة باللغات المحلية أن تمنح التحول الرقمي بعدا أكثر ارتباطا بالمواطن واحتياجاته اليومية.
وبذلك، يضع التعاون المغربي الهندي في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي أسس شراكة تتجاوز تبادل الخبرات التقنية، لتشمل تطوير الكفاءات والبيانات والبنيات التحتية والحلول الرقمية، مع جعل التكنولوجيا أداة لتحديث الإدارة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة سيكون في تحويل هذه التفاهمات واللجان وبرامج التعاون إلى مشاريع ملموسة، قادرة على إنتاج حلول رقمية فعالة، وعلى رأسها أدوات ذكاء اصطناعي تفهم لغات المواطنين وتستجيب لخصوصياتهم، بما يجعل الرقمنة وسيلة فعلية لتقريب الإدارة من المواطن، وليس مجرد انتقال للخدمات من الورق إلى الشاشة.