قراءة في المخطط الاستراتيجي 2026-2029 لجمعية تحدي الاعاقة بتيزنيت

قراءة في المخطط الاستراتيجي 2026-2029 لجمعية تحدي الاعاقة بتيزنيت

الوطن نت | عادل الزين

في سياق أشغال الندوة الصحفية لجمعية تحدي الاعاقة بتيزنيت المنظمة مساء يوم الاربعاء 24 يونيو 2026 بمناسبة مرور 30 سنة على تاسيس الجمعية ، حيث تم الكشف عن الهوية البصرية الجديدة للجمعية ، تم كذلك الكشف عن المخطط الاستراتيجي للجمعية برسم الفترو الجمعوية 2026-2029 ، وهو المخطط الذي نلمس من خلال قراءى بسيطة لمكوناته ان الجمعية دخلت مرحلة جديدة من تطورها المؤسساتي، تنتقل فيها من التركيز على تقديم الخدمات الأساسية للأشخاص في وضعية إعاقة إلى بناء نموذج متكامل يجمع بين الخدمة والترافع والتأثير في السياسات العمومية وتعزيز الاستدامة التنظيمية. ويستند هذا التحول إلى رصيد مهم راكمته الجمعية على امتداد ثلاثة عقود من العمل الميداني، وإلى تجربة مؤسساتية جعلتها فاعلا مرجعيا في مجال الإعاقة على المستوى الإقليمي.

ويتميز المخطط بكونه لم يُبن على تصورات نظرية أو طموحات مجردة، بل جاء نتيجة مسار تشاركي اعتمد على تشخيص دقيق للبيئة الداخلية والخارجية للجمعية. فقد أظهر تحليل البيئة الداخلية توفر الجمعية على نقاط قوة مهمة تتمثل في سمعتها الجيدة، وتجربتها الطويلة، وتوفرها على موارد بشرية متخصصة، وبنيات وتجهيزات ملائمة، وخبرة معتبرة في تدبير المشاريع والترافع والتشبيك. وفي المقابل كشف التشخيص عن مجموعة من التحديات المرتبطة أساسا بضعف التوثيق الرقمي، وغياب استراتيجية متكاملة للتواصل، والحاجة إلى تطوير آليات الحكامة واتخاذ القرار، ومحدودية الاشتغال على إعداد قيادات جديدة تضمن استمرارية المشروع الجمعوي مستقبلا.

أما على مستوى البيئة الخارجية، فقد أبرزت الوثائق وجود فرص مهمة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لتنفيذ المخطط، من بينها التطور التدريجي للإطار القانوني والحقوقي المرتبط بالإعاقة، وتزايد حضور هذه القضية في السياسات العمومية الوطنية، وانفتاح عدد من المؤسسات والفاعلين الترابيين على التعاون والشراكة، فضلا عن الاهتمام الذي توليه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرامج التعاون الدولي لقضايا الإدماج الاجتماعي. غير أن هذه الفرص تظل مصحوبة بإكراهات حقيقية، أهمها محدودية إدماج بعد الإعاقة في البرامج التنموية الترابية، وضعف التمويل العمومي، وتراجع بعض مصادر التمويل الدولي، بالإضافة إلى استمرار عدد من مظاهر الهشاشة الاجتماعية التي تواجه الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة بالعالم القروي.

وانطلاقا من هذا التشخيص، حددت الجمعية خمسة أهداف استراتيجية مترابطة. ويظل الهدف الأول المتعلق بتوسيع وتجويد الخدمات المقدمة للأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم حجر الزاوية في عمل الجمعية، إذ يعكس حرصها على مواصلة أداء رسالتها الأساسية في مجالات التربية الخاصة والتأهيل والخدمات شبه الطبية والدعم الاجتماعي، مع التركيز على تقريب الخدمات من المناطق القروية. أما الهدف الثاني فيمثل تحولا نوعيا نحو تعزيز الإدماج الاقتصادي للأشخاص في وضعية إعاقة من خلال التكوين والتأهيل المهني ومواكبة الولوج إلى سوق الشغل، وهو توجه ينسجم مع المقاربة الحقوقية التي تجعل الاستقلال الاقتصادي أحد أهم شروط الإدماج الفعلي.

ويعكس الهدف الثالث وعيا متزايدا بأهمية الثقافة والرياضة والترفيه كحقوق أساسية وليست مجرد أنشطة موازية، حيث يسعى إلى إبراز الطاقات الإبداعية والرياضية للأشخاص في وضعية إعاقة وتوسيع مشاركتهم في الحياة الثقافية والمجتمعية. أما الهدف الرابع فيكتسي أهمية استراتيجية خاصة، لأنه يضع الجمعية في موقع الفاعل الترافعي والمؤثر في السياسات العمومية، من خلال العمل على دمج بعد الإعاقة في البرامج التنموية للجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، واستثمار آليات الديمقراطية التشاركية من أجل تعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة على المستوى المحلي والإقليمي.

ويأتي الهدف الخامس المتعلق بالحكامة التنظيمية والمؤسساتية كدعامة عرضانية تضمن استدامة مختلف التدخلات الأخرى، إذ يركز على تقوية البنيات التنظيمية وتحسين أنظمة التسيير والتتبع والتقييم وتعزيز القدرات التدبيرية للجمعية.

وعلى الرغم من قوة المخطط وتماسكه، فإن نجاحه خلال الفترة 2026-2029 سيظل رهينا بقدرة الجمعية على معالجة بعض التحديات التي أفرزها التشخيص. وفي مقدمة هذه التحديات الحاجة إلى بناء استراتيجية متقدمة للتواصل والإعلام والتوثيق الرقمي، بالنظر إلى أن الوثائق نفسها تشير إلى محدودية الحضور الإعلامي وضعف استثمار المنجزات المتراكمة في التعريف بعمل الجمعية والترافع حول قضايا الإعاقة. كما أن تنويع مصادر التمويل وتطوير آليات الاستدامة المالية سيشكلان عاملا حاسما في ضمان تنفيذ مختلف البرامج والمشاريع المبرمجة. إضافة إلى ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى الاستثمار في تكوين قيادات شابة وإعداد جيل جديد من الأطر والمتطوعين القادرين على مواصلة المشروع الجمعوي في المستقبل.

في المجمل، يعكس هذا المخطط الاستراتيجي نضجا مؤسساتيا واضحا ورؤية مستقبلية متقدمة، ويؤكد أن جمعية تحدي الإعاقة بتيزنيت لم تعد تقتصر على دور مقدم للخدمات الاجتماعية، بل تتجه نحو ترسيخ مكانتها كفاعل حقوقي وتنموي يسعى إلى التأثير في السياسات العمومية وتعزيز الإدماج الشامل للأشخاص في وضعية إعاقة. وإذا ما تم توفير الموارد اللازمة وتفعيل آليات التتبع والتقييم بشكل منتظم، فإن هذا المخطط يمتلك المقومات الكفيلة بجعل الجمعية نموذجا مرجعيا على المستوى الجهوي والوطني في مجال الإعاقة والتنمية الدامجة.

مقالات ذات صله

خارج الحدود