الرؤية الإبداعية والعلاقة باللغة عند الشاعرة أمنية كانوني
الدكتورة: فاطمة بوفوطا
أستاذة اللغة والتواصل والمهارات الحياتية
جامعة القاضي عياض
الحياة تحديات لا يعيشها الا الشجاع والكتابة الإبداعية الاصيلة تتطلب أرقى أنواع الشجاعة. شجاعة معرفة الذات, شجاعة البوح دون أسفاف, شجاعة القرب دون تسول, شجاعة الاعتراف دون انكسار,
شجاعة روح تتألق وهي تنسج خيوط النور حول حكاية كان من الممكن أن تبقى حبيسة الصمت, حكاية امتطت حرف الشجاعة لتكون أبداعا يتحمل مسؤولية صناعة المعنى…
مسؤولية صناعة المعنى تتقاسمها الشاعرة منى كانوني بكرم انساني وافر مع القارئ لتجعله يرفرف بجناحيه في عالم المعاني،
في هذه الرؤية الإبداعية, القارئ هو أكثر من متلقي, انه مشارك فعلي في رحلة الابداع.
ليست قصائد عابرة بل مقامات روحية تقرأ كما تقرأ المناجاة في خلوة العارفين
فالرؤية الإبداعية للشاعرة منى كانوني هنا تحتفي بالتجربة الشخصية للقارئ , وتحتفي بعزلته وتحتفي بلحظات الخلوة القرائية كلحظة تأمل وتفكر تصنع المعنى وتضيف الجودة للتجربة الروحية للقارئ. فقدسية لحظات القراءة تضفي قدسية على النص الشعري في حد ذاته. ما تعطيه الشاعرة منى كانوني بكرم إنساني للقارئ حين تجعل طموحها هو ارتقاء تجربة القراءة في مقامات روحية.
في نظريات التواصل، ما نعطيه هو نفسه ما نتلقاه، نظرة إيجابية وراقية للقارئ تجعل الرسالة الشعرية ترتقي وتنسجم بكرم إنساني وإبداعي كبير.
هذه النظرة الإيجابية للقارئ هي حالة من الاشراك الإيجابي.
ابحث بنفسك عما أيقظته الكلمة فيك
هنا الشاعرة منى كانوني تؤسس لمفهوم القراءة كنوع من اليقظة الروحية التي تجعل الانسان يقاوم شعور الخوف من حقيقته الإنسانية وتجربته الوجودية. يقاوم الخوف ليعانق شجاعة الابداع وشجاعة سبر أغوار المعاني.
القراءة هنا فعل شجاع لأنه دعوة لاكتشاف المعاني انطلاقا من التجربة الشخصية مما يجعل القراءة فعلا واعيا منفتحا على الغنى والثراء في المعنى والدلالة.
الى حيث لا يقودك الا الشعر الصادق
فإذا كانت الشجاعة أم المكارم فلقد استدعت الصدق،
الشعر الذي لا يصطنع بل يتنزل كالوحي على أرض عطشى
فالشاعرة أمنية كانوني حملت في ذاكرتها الإبداعية كلما استطاعت حمله من ألم أمل، من انكسار وصمود، من نقص واكتمال، من فشل ونجاح، من لقاء وغياب، من صفح وعتاب
تصرح الذات الشعرية والرؤية الإبداعية أنهما لا يرومان الإعجاب بل يتطلعان لتحمل مسؤولية الكلمة الشافية، الكلمة التي تحرك لحظات الضعف والركود، الكلمة التي ترمم لحظات الانكسار، الكلمة التي تضيء عتمة التيه، الكلمة التي تشعل جدوة الشغف، الكلمة التي توقف مسار الاحتراق في التجارب التي لا تحترم إنسانية الإنسان وقدسية الأنسان.
ولتكون الكلمة الشعرية بلسم وشفاء فإن الشعر حسب أمنية كانوني لقاء، لقاء يمكن القارئ من أن يرى تجربته الإنسانية في مرايا الشعر عبر لغة تملأ مساحات الروح بالمعنى.
الشعر في جوهره لقاء، لقاء صادق بين حرف ووجدان، بين بوح وصمت
بين امرأة تعلن سرها ورجل يبحث عن ظل
وأنا أعد هذه الورقة وجدت مذاق القراءات الأولى في فمي. وجدت الفرحة الأولى لاكتشاف الحرف العربي، وجدت الفرحة الأولى لربط الكلمة بمعنى.
أول الحرف وأول الدعاء
فالتجارب الأولى ملهمة، والعرفان للحظات الشغف الأول يؤسس لذاكرة عصية عن الاضمحلال. ذاكرة تنتصر حين ينكسر المعنى، ذاكرة تصمد حين تسقط الإنسانية في فخ التفاهة. تصمد الذاكرة لتؤسس لتجربة العز والكرامة والسمو والانتصارات الهادئة.
وهذا العرفان لمن علم الحرف الأول والمعنى الأول يؤسس لدائرة الكرم الإنساني بين الأجيال.
ومن بين المعارف والخبرات التي تتبادلها الأجيال الشعر. فالشعر عمل أبداعي يعمل على تثمين الخبرات الإنسانية والمعارف. تثمين فرصتنا في الحياة، تثمين القيم، تثمين الذاكرة وتثمين المجهود الإنساني
وقد يكون رثاء القيم نوع من تثمين المعنى في تجربتنا لإنسانية، رثاء القيم هو إحياؤها كتابة ومعنى, هو الاحتفاء بها تصريحا ومجازا, هو استنباتها في التجارب الصغيرة وفي التفاصيل الصغيرة.
أصابه الداء بالله من سقم
وخانه الجسم بعد العز والهمم
كان الحلال يراه الناس إن خطبوا
والرأي والرشد والإحسان في الكلم
شيخ إذا ابتسمت دنياه طيبها
وإن تألم صبار على الألم
ربى على خلق أبناءه شرفا
وكان مأوى الندى والبدل والكرم
ياويحنا حين مات الشيخ وانطفأت
شموعنا ثم ماتت صبغة القيم
هذا ليس مجرد تعاطف إنساني مع من أعطوا بكرم وهمشتهم الحياة, هذا وفاء إبداعي لمصادر الحكمة فينا. الوفاء لمصادر الحكمة الحقيقية أباء وأمهات ومربين وحكماء هو روح تسري في أمة. حين يحتفي الشعر بالوفاء يكتسب كل عناصر الجمال والسمو. الشاعرة أمنية كانوني تنتصر لمصادر الحكمة والشرف.
وتدين ملاجئ النسيان والعقوق والجحود بشجاعة الشاعرة التي تؤمن بقدسية الانسان في كل حالاته.
فإذا كانت القراءة تتمتع بفوائد علاجية فإن تركيز قيم الصدق والشجاعة يجعل الرسالة الشعرية عند أمنية كانوني وصفة علاجية مركزة, كبسولة نمو وانعتاق هادئ من ربقة الأوهام. دعوة للتجدد الإنساني والارتقاء الروحي والاشتغال الحقيقي على التجربة الذاتية لينبثق كل قارئ كما يبزغ ضوء الصباح
سر كالصباح ولا تخشى الظلام
ففي صمت المدى بعد حين ذاك أحيان
هنا تصبح القصيدة مشروع حياة, فحياتنا من جودة صباحاتنا ومن قدرتنا على تلقي معجزة العودة الإنسانية للحياة, الصباح موعد مع الاشراق مع الإضاءة كتجربة ذاتية فتثمين هذه المعجزة هو الذي يفسح مجال لتجربتنا الإنسانية أن تتحقق كمعجزة غنية بالتأمل والتفكر والامتنان لمبدع وواهب الحياة كل صباح. حالة من التلقي الجميل لهدايا الصباح كموقف انساني مغلف بالهدايا والهبات.
هناك كلمات تحرر وانعتاق، كلمات تفتح الافاق, كلمات فروعها في السماء.
الاوفياء لرسالة الصباح فقط يستطيعون اكتساب هدوءه وعمقه وتجدده وكرمه. تثمين معجزة الصباح كلحظات تجلي. تجلي الحياة ومعنى الحياة.
فالصباح لا توقفه الأعذار عن التقدم, في كل صباح نتلقى معجزة الحياة لنعيشها بشكل أعمق وأصدق.
ومن يجد شجاعة القراءة والغوص في معاني ديوان يحتفي بالقيم وبالإبداع وبالإنسان كقيمة عليا سيخرج بتجربته الخاصة به وبقراءة تشبه روحه وتطلعاته الإنسانية وسيملأ جرابه من لالئ الحكمة والشعر وذرات النور ليساهم بدوره في دائرة الإيجابية، دائرة الابداع والكرم الإنساني.
أفدي الحياة إذا سمت أقدارها
وتجلت الأرواح في أنوارها
واستيقظ الأنسان من غفلاته
وسما الى علياء حسن مدارها
فحسب الرؤية الإبداعية للشاعرة، فإن الحياة تجربة تستحق المخاطرة حين تتجلى القيم السامية في التجربة الإنسانية، حين يحقق الأنسان السمو ويتجاوز حالة الشرود التي ضيعت على الانسان الكثير من فرص الارتقاء وجعلت الانسان يعيش فعلا أزمة وجود. أزمة الوجود هاته