احتجاجات أوروبا.. إصابات وتوقيفات وأعمال تخريب تهز فرنسا وألبانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال


احتجاجات أوروبا.. إصابات وتوقيفات وأعمال تخريب تهز فرنسا وألبانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال

شهدت عدة دول أوروبية، السبت 17 أكتوبر 2026، موجة من الاحتجاجات الواسعة التي تخللتها مواجهات مع قوات الأمن وأعمال عنف وتخريب، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العمومية والاعتراض على السياسات التعليمية وخفض الإنفاق العام. وتصدرت فرنسا المشهد من حيث حجم التعبئة وحدّة المواجهات، بعدما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في عشرات المدن، وفق تقديرات رسمية قدرت عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين. وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف أكثر من ألفي شخص وإصابة أكثر من 600 عنصر أمني، فيما توفي أحد المحتجين في باريس إثر أزمة قلبية خلال الاحتجاجات. وشهدت مدن فرنسية عدة، بينها باريس ومرسيليا وليون وبوردو وليموج، أعمال نهب وإضرام حرائق وتخريب للممتلكات، كما تعرضت متاجر ومبان عمومية لأضرار جسيمة، في وقت انطلقت فيه عمليات واسعة لتنظيف الشوارع وتقييم الخسائر. وكانت الاحتجاجات قد بدأت بتحركات طلابية للمطالبة بتحسين ظروف التعليم ومعالجة نقص المدرسين وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع دائرة المطالب لتشمل ارتفاع الأسعار وتكاليف الوقود والتفاوتات الاجتماعية ورفض خفض الإنفاق العام. ولم تقتصر هذه الموجة على فرنسا، بل امتدت إلى ألبانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال، وإن اختلفت طبيعة الاحتجاجات وحجمها من بلد إلى آخر. ففي ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا مواجهات جديدة بين قوات الأمن ومتظاهرين، أسفرت عن إصابة 59 شخصا، بينهم 34 شرطيا و21 متظاهرا وأربعة أشخاص كانوا في محيط الاشتباكات، وذلك في سياق احتجاجات متواصلة منذ نحو أسبوع.

 وبدأت التحركات بمطالب مرتبطة بتحسين ظروف التعليم، قبل أن تتوسع لتشمل الاحتجاج على الفساد والمطالبة بتغيير القيادة السياسية، في تطور يعكس اتساع دائرة الغضب من الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد. أما في بلجيكا، فقد شهدت بروكسل ولييغ احتجاجات مرتبطة بالسياسات التعليمية والتقشف وتخفيضات الميزانية، وتخللتها مواجهات مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين. وأعلنت شرطة لييغ توقيف 45 شخصا، بينهم 12 قاصرا، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، فيما سجلت العاصمة بدورها تدخلات أمنية بعد اندلاع مواجهات وأعمال تخريب وإضرام حرائق. وفي إيطاليا، اندلعت اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين في ميلانو وبولونيا، خلال تحركات احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة، بعدما تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات ورشق لقوات الأمن بالحجارة. وشهد وسط ميلانو أعمال نهب وإضرام حرائق في الممتلكات، كما تدخلت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من المحتجين، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن إصابات وتوقيفات في صفوف المشاركين. 

وأدانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني أعمال العنف، مؤكدة أن التظاهر حق، لكن تحويل المدن إلى ساحات للمواجهات لا يمكن تبريره. وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف إلى شوارع العاصمة لشبونة في مسيرة احتجاجية دعت إليها نقابات، للتنديد بارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن وضعف الأجور وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة، خصوصا في المدن الكبرى. ورفع المشاركون مطالب بتحسين الأجور والمعاشات والحد من ارتفاع الإيجارات وأسعار الوقود، في ظل ضغوط متزايدة على الأسر والعمال، بينما لم تعلن الشرطة تقديرا رسميا لعدد المشاركين في المسيرة. وتكشف هذه التحركات، رغم اختلاف سياقاتها الوطنية، عن تعدد بؤر الاحتقان الاجتماعي في أوروبا، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع المطالب التعليمية والسياسية، وتزداد الضغوط على الحكومات لتقديم حلول عملية لمشكلات القدرة الشرائية والسكن وجودة الخدمات العامة. كما تبرز الأحداث التحدي الذي تواجهه السلطات في التوفيق بين ضمان الحق في الاحتجاج السلمي وحماية الأشخاص والممتلكات، خصوصا عندما تتحول بعض التجمعات إلى مواجهات وأعمال تخريب. 

وفي هذا السياق، لا يمكن تحميل جميع المشاركين مسؤولية أعمال العنف التي ترتكبها مجموعات محدودة، كما أن المطالب الاجتماعية لا تبرر الاعتداء على الممتلكات أو تعريض سلامة المواطنين وقوات الأمن للخطر. وتضع هذه التطورات الحكومات الأوروبية أمام اختبار يتجاوز استعادة النظام العام، ليشمل معالجة أسباب الاحتقان وتعزيز الثقة في المؤسسات وتقديم أجوبة ملموسة عن المطالب الاجتماعية. فالتدخلات الأمنية قد تنجح في احتواء المواجهات، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمات التي تدفع المواطنين إلى الشوارع، ما لم تواكبها سياسات تستجيب للضغوط المعيشية وتحد من الفوارق الاجتماعية وتضمن جودة الخدمات الأساسية. 

وبينما تتواصل عمليات تقييم الأضرار والتحقيق في أعمال العنف، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستدفع الحكومات المعنية إلى مراجعة أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، أم أن تداعياتها ستظل محصورة في المواجهة الأمنية وتبادل الاتهامات السياسية. وفي جميع الأحوال، فإن ما شهدته أوروبا خلال هذه التحركات يؤكد أن الاستقرار لا يرتبط فقط بقدرة السلطات على ضبط الشوارع، بل كذلك بمدى قدرتها على الإنصات إلى المواطنين ومعالجة مشكلاتهم اليومية. وبين الحق في الاحتجاج وضرورة حماية الممتلكات، تظل الاستجابة للمطالب الاجتماعية مدخلا أساسيا لتخفيف الاحتقان ومنع اتساع دائرة المواجهات، في وقت باتت فيه القدرة الشرائية والسكن والتعليم والخدمات العمومية قضايا مركزية في النقاش العام الأوروبي.                         

مقالات ذات صله

خارج الحدود

مكتبة اصدارات الوطن

تصفح اعداد الوطن الرقمية

العدد الخامس – خاص –

العدد الخامس – خاص –

31/05/2024
↓ تحميل PDF
العدد الثالث – 26-08-2023

العدد الثالث – 26-08-2023

26/08/2023
↓ تحميل PDF