فخّ «المؤازرة».. حين يُستبدل الحق الدستوري بإحسان الدولة


فخّ «المؤازرة».. حين يُستبدل الحق الدستوري بإحسان الدولة

بقلم | امبارك ابوليد

في السياسات العمومية، لا توجد كلمات بريئة. كل مصطلح يُسحب من التداول، وكل لفظ جديد يُقحم في الخطاب الرسمي، يحمل في طياته تحولاً في النوايا والالتزامات. هذا تحديداً ما كشفته الخرجة الإعلامية الأخيرة لممثل وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة عبر القناة الثانية، والتي بدت كأنها جس نبض لتمرير ردة حقوقية خطيرة في ملف «دعم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة».

إن أخطر ما حملته تلك المداخلة لم يكن فقط ضبابية المواعيد أو التهرب من المسؤولية القطاعية، بل ذلك الانزلاق اللغوي المتعمد نحو إقحام مصطلح «المؤازرة» بديلاً عن مفاهيم «الدعم المؤسساتي»، «التمكين»، و«الترتيبات التيسيرية المعقولة».

تفكيك مصطلح «المؤازرة»: هندسة لغوية لإحياء المقاربة الإحسانية

قد يبدو للوهلة الأولى أن «المؤازرة» كلمة لطيفة تنضح بالتعاطف، لكنها في العمق القانوني تمثل نسفاً للمنظومة الحقوقية من أساسها:

«المؤازرة» صدقة، و«الدعم» التزام: في المعجم القانوني والاتفاقيات الدولية (خاصة المادة 24 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة)، يُعرّف الدعم باعتباره واجباً أصيلاً يترتب على الدولة توفيره، ويمنح المستفيد حق التقاضي والمحاسبة عند غيابه. أما «المؤازرة»، فهي مفردة تنتمي بامتياز إلى حقل الرعاية الاجتماعية الكلاسيكية، الصدقة، والشفقة. المؤازرة عمل اختياري وفضيلة أخلاقية يمارسها القوي تجاه الضعيف متى شاء، ولا يترتب على التخلي عنها أي جرم أو خرق دستوري.

إسقاط الطابع الإلزامي: تحويل الخدمة من «دعم تمدرس» مكفول بالفصلين 31 و34 من الدستور، والقانونين الإطار 97.13 و51.17، إلى «مؤازرة»، هو محاولة مكشوفة لتجريد هذا الحق من طابعه الإلزامي. فالدولة «تؤازرك» إذا سمحت الميزانية أو راقت لها الظروف، لكنها «ملزمة بدعمك» بقوة العقد الاجتماعي والدستور.

تبخيس المعركة النضالية: خاضت الحركة الجمعوية والحقوقية في المغرب عقوداً من النضال الشاق لانتزاع مصطلحات كرامة المواطنة: من «العاجز» إلى «الشخص في وضعية إعاقة»، ومن «الرعاية والإحسان» إلى «التمكين وإتاحة الفرص والحق الدامج». إقحام «المؤازرة» اليوم هو انتكاسة تعيدنا سنوات ضوئية إلى الوراء، لتكريس النظرة الرعائية الدونية التي تجعل من الطفل وعائلته متسوّلين لخدمة عمومية وليسوا أصحاب حق.

أبعاد المناورة.. لماذا تلجأ الإدارة إلى هذا المصطلح؟

إن التشبث بمصطلح هلامي كـ«المؤازرة» يخدم مساراً تراجعياً على عدة مستويات:

التهرب المالي وتقليص الميزانيات: المؤازرة لا تلزم بتقديم غلاف مالي قار، بل تتيح تقليص التدخل إلى مجرد دعم شفهي أو لوجستي رمزي، مما يمهد لتقليص المخصصات المالية الموجهة للمراكز المتخصصة ومواكبة الأسر.

الهروب من قاعدة «الدعم يتبع الطفل»: المقاربة الحقوقية تلزم الدولة بتمويل التدخلات الشبه طبية والتربوية للطفل أينما وُجد (مدرسة عمومية أو مركز جمعوي متخصص). بالمقابل، تتيح لغة «المؤازرة» للوزارة التملص ورمي الكرة في ملعب قطاع التربية الوطنية بحجة الفصل البيروقراطي بين الفضاءات.

التستر على الأرقام الحقيقية للإقصاء: حين يُنظر للمسألة كإحسان ومؤازرة، يسهل الترويج لأرقام مغلوطة تدعي أن غير المتمدرسين لا يتجاوزون 25%، بينما المسوح الرسمية (مثل البحث الوطني الثاني حول الإعاقة) تؤكد أن النسبة تفوق 35% دون احتساب المحرومين من التشخيص المبكر في الهوامش والقرى.

البوصلة واضحة: حقوق لا عطايا

إن تمدرس أطفالنا ذوي الإعاقة ليس ورقة للتفاوض البيروقراطي، ولا ملفاً تتدرب فيه الوزارات على فنون التلاعب الدلالي لامتصاص الاحتقان.

الرد المطلوب من الحركة الجمعوية والأسر اليوم يبدأ من حماية القاموس: رفض مصطلح «المؤازرة» جملة وتفصيلاً، والتشبث بكون دعم التمدرس واجباً دستورياً تمويلاً وتأطيراً، والتأكيد على أن كرامة المواطن المغربي — صغيراً كان أم كبيراً — تُبنى بإعمال الحقوق الساطعة، لا بتسويق الصدقات المستترة خلف مصطلحات مضللة.                         

مقالات ذات صله

خارج الحدود

مكتبة اصدارات الوطن

تصفح اعداد الوطن الرقمية

العدد الخامس – خاص –

العدد الخامس – خاص –

31/05/2024
↓ تحميل PDF
العدد الثالث – 26-08-2023

العدد الثالث – 26-08-2023

26/08/2023
↓ تحميل PDF