سيسجل التاريخ لسنة 2026، واقعة سيارات نقل أموات المسلمين، وفرض مسح الكتابات ذات الحمولة الدينية من واجهتها الخارجية، وفي عز شهر الصيام، وهي الواقعة التي أثارت نقاشا مجتمعيا واسعا لمدة يومين، مباشرة بعد صدور القرار المشترك رقم 1250.25 لوزيري الداخلية والصحة، حول معايير الصحة والسلامة الواجب التقيد بها في عمليات دفن الجثث ونقلها وإخراجها من القبور. هذا التفاعل المجتمعي أثمر تراجع الدولة – بعد يومين فقط – عن مقتضى إزالة العبارات المكتوبة على سيارات نقل أموات المسلمين، وهو إجراء لا يمكن إلا استحسانه، لما يجسده من الإنصات لنبض المجتمع، وعدم الانصياع للدعوات الشاذة عن الصواب.
هذا الإشكال الذي تم طيّه بشكل رسمي، وجب أن نخرج منه بجملة من الخلاصات للاعتبار.
أولى الخلاصات، أهمية انخراط المواطنين في النقاش المجتمعي بكل الوسائل المتاحة، وهو نقاش صحي حتى وإن عرف تقاطبا حادا بل أو حتى انزلاقات، لكنه يعكس يقظة المجتمع تجاه ما يمس مكونات هويته. لذا فلا بد لمواطن أن يعبر عن موقفه مما يرفضه، سواء بالآليات القانونية المعتمدة كالملتمسات والعرائض، وأيضا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وأن لا يكتفي – وهو الأخطر – بتكرار عبارات الحوقلة والاسترجاع – بعد كل هجمة على مقدساته ومكونات هويته، مجسدا بذلك سلبية مقيتة ونفَسا انهزاميا لا يستثمرهما إلا خصوم الهوية المغربية في الداخل والخارج.
الخلاصة الثانية، تتمثل في ضرورة تحصين المسار التشريعي وسيرورة صياغة القوانين، فالواضح أن إصدار المقرر عرف تسللا واضحا، وحالة شرود، لزرع الفقرة الملغومة والمثيرة للجدل، في غفلة من الجميع، والأوضح أن الدولة أحست بأن طرفا ما قد ورّطها في هذه المطبة التي كانت في غنى عنها، في ظرفية تشهد أعلى درجات الإجماع الوطني بعد استحسان تدبيرها لملف فيضانات الشمال. ولهذا، تدخل حكماء الدولة في الوقت المناسب لنزع فتيل أزمة كانت ستذهب بجزء غير يسير من هيبة الدولة وتقديرها في نفوسعموم المواطنين، خاصة وأنها مؤسسة على الشرعية الدينية وإمارة المؤمنين.
الخلاصة الثالثة، تتعلق بالموقعين على القرار، وهما وزيرا الصحة والداخلية. ومن المعلوم أن قرارا كهذا، يصادم الشعور الديني للمواطنين، لا يمكن أن يوقعه من انبثق من رحم الشعب، وتحمل المسؤولية نتيجة تفويض شعبي، ويخشى على سمعة الهيئة السياسية التي ينتمي إليها. لهذا، فمن الطبيعي أن يكون الموقع هو وزير الداخلية (تكنوقراط) ووزير الصحة، الذي لم يشارك قط في أية انتخابات، ولم يعش مسارا نضاليا، وإنما جيء به من شركة زوجة رئيس الحكومة لتنفيذ أجندات ليس هذا مقام ذكرها.
الخلاصة الرابعة، تتعلق بأهمية اليقظة المجتمعية – من المواطنين والهيئات السياسية والنقابية والمدنية – خلال فترات الفراغ التشريعي، أو عطلة البرلمان، لأن قرارات كبيرة ومؤثرة تم تمريرها في هكذا فترات، ويتفاجأ بها الجميع بعد صدورها في الجريدة الرسمية، وهناك سوابق عديدة تؤكد ذلك، ومن أمثلتها، تعديل قانون الأحزاب السياسية، بمقتضيات لا يمكن أن يوافق عليها أي طرف، يوم 25 نونبر 2011، وهو يوم الانتخابات التشريعية، حيث المواطن والأحزاب منشغلون بالاستحقاقات. كما عرف يوم 7 أكتوبر 2016، وهو يوم الانتخابات التشريعية ما قبل الماضية، إصدار قرار مشترك بين وزيرين ليس لديهما ما يخسران، رشيد بلمختار وزير التربية الوطنية، ومحمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية آنذاك، ويتعلق الأمر بقرار اعتماد التعاقد المشؤوم في قطاع التعليم، بتلك الصيغة المجحفة، وتبعته في نفس الأسبوع إعلانات الأكاديميات بفتح باب التوظيف بالتعاقد، مشيرة إلى المرجع المعتمد، وهو القرار المشترك ليوم 7 أكتوبر 2016.
الخلاصة الخامسة، تقتضي أن المرحلة التي نعيشها ضَعُفَ فيها بشكل غير مسبوق نفوذ الدول على المستوى العالمي، ولا تستطيع الدول الصمود أمام نفوذ الشركات العملاقة والدول الكبرى، ولهذا فكثير من الأمور التي يتم تنزيلها وتبدو لنا في غير محلها، ينبغي أن نفهم أن جزءا كبيرا منها لم تقوَ الدولة على رفضه أو حتى تسجيل تحفظاتها عليه كما كان عليه الأمر سابقا، إضافة إلى الإكراهات المتعلقة بقضية الوحدة الترابية وبموازين القوى والتوازنات الإقليمية، والأكيد أن كل ما يتم به ابتزاز الدولة ليس في صالحها على المدى البعيد على الأقل، ولن يسهم إلا في تقويض أبرز مقوماتها، وهي المرجعية الإسلامية للدولة، لهذا فلا بد للمجتمع، أفرادا وهيئات، أن يتفهم الأمر، ويسهم في إسناد الدولة – باعتبارها كيانا يجمعنا – وتحصين موقعها، وذلك برفض كل ما يصادم هويته، من خلال التعامل الذكي مع كل البرامج الاجتماعية التي يتم فرضها، في التعليم والصحة وقضايا المرأة والأسرة وغيرها، وأيضا من عبر التعبير عن رفض تفكيك مكونات هويته وجعل مواطنيه مجرد قطعان لاستهلاك الواردات من الأفكار والمنتجات، ومن خلال الجهر بذلك بكل الوسائل المتاحة، وذلك أضعف الإيمان.